رفع التعليق المؤقت على تصدير حوامض منطقة بركان نحو الولايات المتحدة الأمريكية             تصحيح : من هو المستشار عبد السلام بلقشور (البام)الذي عين مقررا للجنة 13؟             بنما سنة 2017: الفساد تهمة متبادلة والاقتصاد لم يسعد البنميين أكثر من المونديال             ادريس جطو أمام مسؤوليته التاريخية في تنفيذ اجراء افتحاص مجلس المستشارين             "ويستنمستر " قد تكون تعد تقارير استخباراتية وظف لها رئيس مقاطعة سابقا كل الوسائل اللوجستيكية             اللجنة الثنائية للدعم السنوي للصحافة متورطة الى جانب مقاولات في "كونفلاج" الملفات             جون كونيرز... و سقط ديك البوليساريو العاهر             فوزي بنعلال رئيس جماعة الهرهورة يعبد طريقا في مشروعه من ميزانية الجماعة             الجزائر ...خطابها المضلل حول حقوق الانسان لم يعد مجديا             وفاة نزيل بالسجن المركزي بالقنيطرة جراء مضاعفات أمراض القلب وسرطان الرئة (إدارة السجن)             ميناء طنجة المتوسط: الدرك الملكي يحجز كمية هامة من دواء "ترامادول" قد تستعمل كمخدر             مصرع شخصين واصابة سبعة مواطنين من جراء انهيار سور بالدارالبيضاء             البرلمانيون المغاربة يبتلعون ألسنتهم لشدة المفاجأة للقرار الملكي السديد             مثول رئيس البرلمان للمحاكمة بعد اتهامه بالتورط في قضية فساد             إقصائيات مونديال 2018: اعتبار منتخب نيجيريا منهزما أمام نظيره الجزائري لا يؤثر على تأهله إلى النهائي             قضية وفاة فرح قصاب تعيد الدكتور نادر صعب الى المحكمة من جديد             مخدرات: بطون برازيليين تتحول الى حاويات الكوكايين ثم توقيفهم بمطار الدارالبيضاء             القمة الدولية للمناخ بباريس : الاعلان عن 12 التزام دولي في مجال التصدي لتأثير التغيرات المناخية             سويسرا تتخلى عن مشروع رفع السرية المصرفية لفائدة المواطنين             محمد السادس رؤية قارية في مجال محاربة التغيرات المناخية             الزلزال الذي ضرب موظفون سامون بوزارة الداخلية ...هل يستثني البرلمانيين باعتبارهم شركاء في الفساد؟             جلالة الملك محمد السادس حضوره لقمة المناخ الدولية بباريز عنوان اشادة دولية             الملك محمد السادس مرفوقا لأول مرة بولي العهد مولاي الحسن في زيارة رسمية لدولة فرنسا             أردوغان من الصعب ان نصدقه"المصدر يديعوت الاسرائيلية"             جنوب السودان التطاحن القبلي يدفع الرئيس سيلفا كير اعلان حالة الطوارئ             أقوى أفلام ستاتهام أكشن عصابات و مافيا المخدرات "نخبة القتلة" مترجم            قوى أفلام ستاتهام أكشن عصابات و مافيا المخدرات "نخبة القتلة" مترجم             بابلو إسكوبار - زعيم مافيا المخدرات            من دون تعليق            من دون تعليق            التحالفات الحزبية قبل الانتخابات التشريعية ؟           
الإفتتاحية

فساد الحكومات طريق معبدة للانفصال

 
الصحافة العبرية

أردوغان من الصعب ان نصدقه"المصدر يديعوت الاسرائيلية"

 
صوت وصورة

أقوى أفلام ستاتهام أكشن عصابات و مافيا المخدرات "نخبة القتلة" مترجم


قوى أفلام ستاتهام أكشن عصابات و مافيا المخدرات "نخبة القتلة" مترجم


بابلو إسكوبار - زعيم مافيا المخدرات

 
كاريكاتير و صورة

من دون تعليق
 
البحث بالموقع
 
جريدتنا بالفايس بوك
 
إعلان
 
إعلانات
 
أخبار دولية

بنما سنة 2017: الفساد تهمة متبادلة والاقتصاد لم يسعد البنميين أكثر من المونديال

 
خاص بالنساء

رقصة الانوثة...

 
 


ملخص التقرير السياسي للدائرة القطرية للعدل والاحسان


أضف المقال إلى :
yahoo Facebook yahoo Twitter Myspace delicious Live Google

أضيف في 13 شتنبر 2012 الساعة 41 : 14



جماعة العدل والإحسان

الدائرة السياسية

المجلس القطري

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه وإخوانه وحزبه

يسعى هذا التقرير إلى تغطية عمل الدائرة السياسية خلال الولاية المنتهية، وهي الفترة الممتدة بين 2009 و2012. ويندرج هذا التقرير في إطار ما دأبت الأمانة العامة للدائرة السياسية على احترامه خلال نهاية كل ولاية لتقديم إنجازاتها قصد التقييم والتقويم، ولتكون خلاصات هذا التشاور منطلقا لصياغة مخطط ثلاثي للولاية القادمة على ضوء الظروف والسياقات التي نعمل فيها ومتطلبات المرحلة التي نشتغل فيها.

بصفة مجملة، لا تخرج هذه الولاية عن سابقاتها، لأنها تميزت بانسداد الأفق والعبث اللذان ميزا التدبير الرسمي/المخزني للشأن العام ووصول السياسات العمومية المتبعة إلى حافة الانهيار، وهو ما فضحته الاحتجاجات الشعبية وارتفاع حدة المطالب وسقفها مطالبة بالقضاء على الفساد والاستبداد والاحتكار والاستفراد وبناء مغرب جديد أساسه الحرية والكرامة والعدل.

لقد عرفت هذه المدة، بشهادة المراقبين والتقارير المحلية والدولية، حالة انهيار شامل لكل السياسات العمومية مقابل تصاعد اليقظة الشعبية التي كشفت محدودية العمل من داخل مؤسسات مزورة ومزيفة وغير ذات تمثيلية، وواكب كل ذلك اشتداد الأزمات الاجتماعية، والتراجع في مجال حقوق الإنسان بالعودة إلى الانتهاكات الجسيمة والممنهجة، واستشراء الفساد في جل القطاعات. وبينت أحداث هذه المرحلة صحة تحليلات جماعة العدل والإحسان وتحقق ما كانت تنذر بوقوعه، حيث شكل تنامي الحراك الشعبي ومقاطعة المبادرات المخزنية السمة المميزة التي طبعت هذه الفترة المهمة من تاريخ المغرب، وهي فترة سيكون لها ما بعدها بكل تأكيد، عاجلا أم آجلا، لأنها تؤرخ لدورة زمنية جديدة. ولم تغب الجماعة، بحمد الله وفضله، عن الميدان، فكانت في مقدمة هذا الحراك، مع غيرها من الفضلاء، بثباتها واقتراحاتها ومبادراتها ويقظة مؤسساتها وانضباط أعضائها وتضحياتهم، وهم الذين أبلوا البلاء الحسن على كل الواجهات غير مبالين بحملات القمع وسياسات المنع ومخططات التعتيم والتشويه التي لم تزد الجماعة إلا قوة وتماسكا وثباتا وتوسعا وصمودا والتفافا للناس حولها وتمسكا بمنهاجها القائم على السلمية والرفق والحكمة ومد جسور التواصل والتعاون مع الغير، بغض النظر عن الاختلاف، لما فيه صالح المغرب والمغاربة ولما يحقق نهوض هذه الأمة. وهذه مناسبة أخرى للتنويه بالأداء الجيد لكل مؤسسات الجماعة، دائرة سياسية وتنظيما/إخوانا وأخوات، ومواكبتهم لمتطلبات هذه اللحظة التاريخية بما عهدناهم من انضباط وصدق وبذل ومشاركة وفعالية، وإن كل هذا ليس إلا ثمرة من ثمار هذه التربية الإحسانية والتكوين المنهاجي وروح الأخوة التي نتلقاها جميعا في محاضن التربية والتكوين.

شكلت هذه الولاية مناسبة أخرى كشفت تميز الجماعة وانفتاحها واستعدادها للعمل المشترك بنكران ذات وتجرد وحرصها على تغليب المصلحة العامة على التعصب والانتماءات الضيقة واستغراق الوقت والجهد في الخلافات الجزئية والفرعية، وشكلت مناسبة للسلطات المخزنية لتكتشف أن نور الجماعة لا تطفئه المحاكمات والاعتقالات والتضييق على الأرزاق وتشميع البيوت ومنع اللقاءات لأن منهاج الجماعة انتشر بفضل الله وكثر حملته وتنوعوا وتعدت أخباره حدود المغرب، حيث أصبح الكل يعرف عن قرب وبدون وسائط طبيعة هذه الجماعة ومنهاجها في الدعوة وفهم الإسلام.

 

ظلت الجماعة حاضرة رغم الحصار ومنشغلة بتنزيل برنامجها الذي يستهدف بالأساس الإنسان تربية وتأطيرا وتوعية وإشراكا لنقله من حالة العزوف والسلبية إلى المشاركة الإيجابية لبناء مغرب على أسس مغايرة، وبقيت الجماعة قريبة من المغاربة ومعبرة عن مطالبهم من خلال توسعها المتزن في جل المناطق ووسط مختلف شرائح المجتمع، ومن خلال مسارعة أعضائها إلى الخدمة، سواء في محو الأمية أو التوعية أو التأهيل المجتمعي للمغاربة أو المواساة في المناسبات أو التعبير عن مطالب الناس، وبقيت الجماعة مدرسة لتعليم مبادئ الإسلام الوسطي ومؤسسة لتخريج الدعاة المخالطين للناس ونشر الدعوة بعيدا عن الغلو والتحريف، وبقيت الجماعة صامدة على مواقفها وغير مبدلة لمبادئها رغم حملات القمع والتشويه والتعتيم، بل تمكنت، ولله الحمد، من فضح حقيقة المخزن ومناوراته وألاعيبه ورفضه الاستجابة لمطالب الشارع، وقد اتضحت نتائج ذلك في التزوير الفاضح لنتائج استفتاء فاتح يوليوز وانتخابات 25 نونبر 2011 بعد الاستجابة الكبيرة للمغاربة لدعوات المقاطعة الواسعة التي ساهمت فيها الجماعة إلى جانب غيرها من الفاعلين.

على المستوى الحقوقي، كانت الجماعة حاضرة بمواكبتها لكل الانتهاكات وفضحها للحملة المخزنية المتواصلة عليها، ومؤازرة المتضررين من الحملة والدفاع عنهم، والمشاركة في كل الفعاليات الحقوقية الوطنية والكثير من الفعاليات الدولية المساندة للقضايا العادلة والمناهضة للصهيونية والعنصرية والعولمة المتوحشة.

وتفعيلا للعمل التواصلي الخارجي والحضور في المنتديات، شاركت وفود الجماعة في العديد من المؤتمرات والفعاليات الدولية التي تم تنظيمها بالخارج، والمشاركة ضمن الوفد الدولي لقافلة أميال من الابتسامات 13 إلى قطاع غزة المحاصر وقافلة "شريان الحياة 5" وأسطول الحرية، وحضور أشغال الدورة الثامنة للمؤتمر القومي الإسلامي ببيروت والمؤتمر الثامن لمؤسسة القدس الدولية بالخرطوم والدورة الطارئة للمؤتمر العربي العام ببيروت والمنتدى الاجتماعي العالمي بالسنغال والمشاركة في الائتلاف العالمي لنصرة القدس وفلسطين والملتقى الدولي لنصرة الأسرى في سجون الاحتلال وحضور اجتماع الجمعية العامة لاتحاد علماء المسلمين بمدينة استنبول التركية، ومشاركة الهيئة الحقوقية في المنتدى العالمي الرابع لحقوق الإنسان بفرنسا، ناهيك عن التواصل الدائم من خلال رسائل التهنئة والتعزية واللقاءات التواصلية مع كل الفضلاء، وهذه ليست إلا عينة من ضمن هذا الحضور الذي يتزايد ويتوسع رغم الحصار والتضييق.

وعلى المستوى الإعلامي، سجلت هذه الولاية أداء متميزا للمكتب الإعلامي للجماعة رغم ضعف الإمكانيات والاستهداف المخزني المتواصل للمواقع الإلكترونية للجماعة بالحجب والتشويش، وقد تمكن الجهاز الإعلامي من تغطية العديد من أنشطة الجماعة ومواكبة العديد من الأحداث التي عرفتها بلادنا من خلال انتظام النشرات والقصاصات الإخبارية سواء الموجهة للصحف أو للصف الداخلي، وكثير من الإصدارات السمعية البصرية والورقية، وتطوير وتنظيم وتوجيه حضورنا في الإعلام الإلكتروني وتطوير واجهة موقع الأستاذ المرشد وموقع الجماعة ومواجهة الحملات التشويهية والتشويشية على الجماعة ورموزها وتطوير حركة التواصل مع الصحافة من خلال الحضور الإعلامي لرموز الجماعة في الحوارات والتصريحات.

ونسجل باعتزاز استمرار طلبة الجماعة في الريادة داخل الجامعة متحملين المسؤولية، وحرصهم على تجديد هياكل الاتحاد الوطني لطلبة المغرب بصفة منتظمة حائزين ثقة طلبة الجامعة التي نعتبرها المؤشر الأهم على ما يبذلونه من مجهودات لخدمة الطلبة والدفاع عن مطالبهم والتصدي لمخططات تمييع الجامعة ومخزنتها. كما نسجل بارتياح فعالية العديد من قطاعات الجماعة المهنية والنقابية التي تحرز ثقة المغاربة في كل انتخابات لمن يمثلهم رغم حرص إخواننا على عدم تصدر واجهة المشهد وتمسكهم بمبدأ الشراكة والتعاون مع باقي المكونات، ومشاركة العديد من القطاعات في مؤتمرات دولية علمية ومهنية، وتوفر بعض هذه القطاعات على مبادرات تواصلية نوعية تشكل حصيلة الجهود التي يبذلها إخواننا لتطوير التصور والبناء الذاتي وتقوية العمل المؤسساتي.

ولم تنس الجماعة أبدا عمقها العربي والإسلامي، فبقيت قضايا الأمة حاضرة في كل المناسبات من خلال مئات الوقفات والمسيرات والبيانات والزيارات والمبادرات للتحسيس بهذه القضايا ومناصرة إخواننا في فلسطين وسوريا والعراق وبورما وتونس ومصر ومن أمثلة ذلك مسيرة 25 مارس بالرباط الحاشدة للتضامن مع الشعب الفلسطيني...

ولأننا نشتغل برؤية مستقبلية بعيدة عن ردود الأفعال ومن موقع القوة الهادئة الموقنة بنصر الله لعباده المستضعفين، فإننا نثمن أداء مركز الدراسات والأبحاث الذي يطور المشروع السياسي للجماعة وبرنامجها ويواكب التطورات السياسية التي تعرفها بلادنا بالتشخيص والرصد ودراسة التجارب المختلفة في تدبير الشأن العام، ومن ذلك ما قدم لهذا المجلس من أوراق حول مشروع دستور 2011 وانتخابات نونبر 2012.

وحتى لا نفيض أكثر في الحديث عن الجماعة وإنجازاتها خلال هذه الولاية وما حققته مما خططت له في المخطط الثلاثي لهذه الولاية المنتهية، لأن هذا تطرقنا إليه بتفصيل في التقرير التنظيمي، نركز في هذا التقرير على رؤيتنا للتطورات التي يعرفها المغرب.

أولا: في المجال السياسي: عصرنة الاستبداد

 

يكاد المغرب يعيد نفسه عبر سلوك سياسي ثابت، يتمثل في الحفاظ على جوهر السلطة السياسية الحاكمة (القصر)، وآخر متحول يروم إحداث بعض الترقيعات الصورية على واجهة النظام، وهو ما يجعلنا أمام "السلطوية الجديدة" التي تحافظ على جوهرها الاستبدادي بواجهة ديمقراطية، والتي تمارس الفعل الاستبدادي بأدوات "ديمقراطية".

ورغم الشعارات الرسمية التي تُوهم البعض بالسير في طريق الديمقراطية والعمل على تحقيق دولة الحق والقانون والمؤسسات، فإن سبر أغوار السياسات يجعلنا ندرك أن الأمر وهم وسراب ينكسر على بؤس الواقع ويكشف لنا كذب ادعاءات المخزن الحاكم. فانقشاع السراب الخادع يكشف عن نفسه كلما ازدادت مظاهر الاستبداد في سلوك ممارسي السلطة، والاستبدادُ يعلن عن نفسه بدون استحياء عندما يرفض الحاكم حتى مجرد تقاسم بسيط للسلطة مُسطر في "دستور جديد" قيل أنه يشكل بداية تدبير مرحلة "انتقال ديمقراطي" بالمغرب.

إن سبر أغوار العمل السياسي في السنوات الأخيرة هو دراسة للعطب الكبير والشرخ العميق الذي يتجلى في معضلة تشكيل وتوزيع وممارسة السلطة ومحاسبة من يتولاها، التي لا يشك أحد أنها مازالت بيد لاعب رئيسي هو الملك ومحيطه اللذان يشكلان المخزن في أبعاده ومجالاته المختلفة، أما الحكومة والبرلمان فلا يعدوان أن يكونا كومبارسا لا يملك من أمره إلا "سلطة" شكلية وخجولة.

ورغم اختلاف التفاصيل والحيثيات السياسية، فإن جوهر وطبيعة الاستبداد المغربي لا يمكن إلا أن ينتجا واقعا سياسيا، هذه أهم عناوينه:

1- تضخم المجال الملكي: كلما توالت السنوات إلا وازدادت مجالات التدخل الملكي في الشأن العام إلى درجة أن أصبح الملك هو المرجع الأول لكل القرارات التي تضع الإطار العام للسياسات العامة، والمتحكم حتى في التفاصيل عبر مجموعة من الأدوات، مثل إحداث مؤسسات عمومية ولجان ومجالس استشارية تستولي على اختصاصات الحكومة والبرلمان. ففي المجال الاجتماعي أقر الملك برنامجا اجتماعيا عرف بالمبادرة الوطنية للتنمية البشرية بميزانية ضخمة ومنح مراقبتها وتدبيرها لوزارة الداخلية التابعة للقصر، أما السياسة الخارجية، فهي منذ زمان تمثل الصندوق الأسود والمجال المحفوظ الذي لا يقدم الحساب إلا للملك، ولعل التعتيم الذي يعرفه ملف الصحراء مثال واضح على ذلك، فمع توالي المفاوضات لم يقدم للمغاربة إلا النزر القليل، خاصة وأن الطاقم المفاوض لم يضم إلا عناصر محسوبة على القصر، أما على المستوى الاقتصادي فنذكر بسحب دراسة ملفات الاستثمار التي تقل عن 200 مليون درهم لفائدة الولاة الممثلين للملك على المستوى المحلي، وفيما يخص الملفات الاستثمارية الكبرى، والتي تتجاوز 200 مليون درهم، فإن لجنة وزارية يرأسها الملك هي التي تحسم فيها مع الإشارة إلى أن وثائق موقع ويكيلكس قد أشارت إلى أن لجنة مصغرة مكونة من مستشاري الملك تتخذ القرار عمليا بعيدا عن سلطة الحكومة، وقد امتد نفوذ الملك ليقرر في ملفات استثمارية هي من صلاحيات الهيئات التسييرية للمدن كملف الترامواي بالدار البيضاء والرباط والقطار السريع "التي جي في"...

2- الصلاحيات الدينية للملك.. من الإصرار إلى التعسف في التأويل: كما لوحظ خلال هذه الفترة تكثيف استغلال الصفة الدينية للملك وحرص على احتكار الفعل في هذا المجال وتهميش العلماء وإقصاؤهم من المجال العام وتأميم المؤسسات العلمية والمساجد وتحويلها إلى فضاءات للدعاية الرسمية لفرض سياسات مخزنية وإصرار على الإبقاء على طقوس مذلة للكرامة الآدمية وتعسف في إلحاقها بالإسلام. والأغرب هو الإصرار على الحفاظ على هذه الصفة باعتبارها حقلا احتياطيا للتسلط في حالة نفاذ الحقول الدستورية الأخرى التي صيغت بفلسفة تحكمية واستفرادية بعيدا عن روح الدساتير الديمقراطية القائمة على فصل السلط وربط ممارسة السلطة بالمحاسبة واحترام الحقوق والحريات.

3- "حكومة" عاجزة: تميز العمل الحكومي بترسيخ الإعاقات البنيوية التي تحد من انبعاث عمل حكومي مسؤول يدبر الشأن العام، فالحكومة محكومة بقواعد "لعبة" تسحب بشكل مستمر صلاحياتها التنفيذية لفائدة مراكز سلطة أخرى غير منتخبة ومنزهة عن كل محاسبة.

صوريا تحتكر الحكومة جزءا مهما من صناعة السياسات العمومية، إلا أنها واقعيا لا تتوفر إلا على هامش صغير جدا يسمح لها فقط بتطبيق الاختيارات الملكية المعلن عنها في مختلف المناسبات، وهذا ما جرى به العمل في السنوات الأخيرة وما تكرس بشكل مسترسل في هذه السنة.

كما أن استبطان القوى السياسية المختلفة الممثلة داخل البرلمان لممارسة السلطة بهذا الشكل ساهم في صعوبة توفر الحكومة على السلطة الكافية لتدبير الشأن العام، ممل جعل العديد من الملفات الكبرى تدرس ويقرر بشأنها بعيدا عن السلطة التنفيذية، ونذكر هنا على سبيل المثال: الملف الاجتماعي وملف الصحراء والسياسة الخارجية والسياسة الأمنية و"الشأن الديني"، ناهيك عن باقي المشاريع الكبرى التي تستهلك ميزانيات ضخمة وتقع في دائرة اختصاص المخزن حصرا وتنشأ لها الصناديق الخاصة ولا يعرف عنها البرلمان والحكومة شيئا.

4- "البرلمان".. غرفة تسجيل بعيدة عن الرقابة والتشريع: على غرار باقي المؤسسات الدستورية الأخرى، لم يعرف البرلمان المغربي، خلال هذه السنوات أي مستجد أو تغيير في أدواره أو هياكله أو طريقة اشتغاله، بل ظل حبيس منهجيته العقيمة التي يطبعها البطء والروتين رغم مرور ظروف استثنائية اتسمت بغليان الشارع المغربي. هذه الظروف الاستثنائية لم تفلح سوى في عقد مجلس النواب لدورة استثنائية ابتداء من 13 شتنبر 2011 بمقتضى مرسوم 540.11.2 صادر في 9 شتنبر 2011 خصصت لدراسة والمصادقة على ستة مشاريع قوانين تتعلق أربعة منها بما عرفه المغرب من انتخابات، وذلك من أجل تمرير وفرض قوانين بمباركة -السلطة التشريعية- وتحت عباءتها، إذا لاحظنا كيفية إعداد وعرض هذه القوانين والسرعة في مدارستها والتصويت عليها وما نتج عن ذلك من ارتباك أدى إلى تعديل نصوص في أقل من شهر بعد المصادقة عليها.

ومع ضعف الدور التشريعي والرقابي للبرلمان المغربي، تعالت أصوات تنتقد غياب الدور الدبلوماسي للبرلمان خاصة مع تعرض الدبلوماسية المغربية لانتكاسة إثر صدور قرار البرلمان الأوربي بإدانة المغرب على إثر أحداث مخيم إكديم ازيك، ورغم توفر البرلمان المغربي على أكثر من 100 اتفاق صداقة برلمانية مع مجموعات مختلفة تنتمي لدول صديقة، فإن فعله عجز عن بناء بوادر انبثاق دبلوماسية برلمانية، حيث لن تؤدي الزيارات التي يقوم بها البرلمانيون إلا إلى صراعات بين مختلف الفرق باتهام البعض باحتكارها دون آخرين..

وكل هذا لا ينسينا افتقاد البرلمان بغرفتيه للطابع التمثيلي لأنه برلمان أقلية بسبب مقاطعة الأغلبية الساحقة للمواطنين للمسلسل الانتخاب، وبرلمان ناتج عن انتخابات مزورة تفتقر لأدنى مواصفات النزاهة.

5- سياسة خارجية في حلقة مفرغة: رغم أن المغرب يتمتع بموقع استراتيجي بين أوروبا وإفريقيا، فإن سياسته الخارجية سوف تنحصر في الدفاع عن قضية الصحراء، وسوف يهمش بناء سياسة خارجية حقيقية تعزز من دور المغرب القاري والدولي، وبسبب ما سبق فإنها سياسة دفاعية يتم تقييم العلاقات الخارجية مع الدول على أساس موقفها من قضية الصحراء مما يحجم من التحرك المغربي على مستوى العلاقات مع من يتخذ موقفا مغايرا للرؤية المغربية من قضية الصحراء.

وقد ظل الاتحاد المغاربي بدوره جامدا بفعل الصراع المغربي الجزائري، وزاد من هذه الوضعية الجامدة غياب الحوار بين البلدين وإغلاق حدودهما، ناهيك عن السجال المستمر بين قيادات البلدين كلما سنحت الفرصة، سواء بمناسبة الخطابات الملكية بالمغرب، أو من خلال إحراج المغرب في المنتظم الدولي كلما تعلق الأمر بأحداث تقع في الصحراء.

 ولا شك أن غياب المغرب عن الاتحاد الإفريقي يعمق من ضعف سياسته الخارجية، ويزيد في ذلك توجه المغرب نحو أوروبا والتخلي عن عمقه الإفريقي مما يزيد من عزلة المغرب على المستوى القاري، والأمر نفسه ينطبق على الغياب المغربي عن الساحة العربية والإسلامية.

 

إن السياسة الخارجية المحتكرة من طرف القصر تعاني من أعطاب مزمنة، حيث تتوالى الأخطاء في غياب المحاسبة، فقد اقترح المغرب مشروعا للحكم الذاتي على الصحراويين لكن دون أن يضمن تخليهم عن المطالبة بحق تقرير المصير، كما أن سياسته السجالية مع الجزائر صعبت عليه الأمر، والمغرب هو المعني الأول ببذل الجهود وإقناع البوليساريو بالحل السياسي والتخلي عن خيار الاستقلال، وهذا ما يجعله في موقف حرج حين يفقد زمام المبادرة والقوة الاقتراحية المقنعة لكافة الأطراف المتدخلة، سيما وأن الدول المؤثرة في هذا الملف تحرج المغرب عبر منظمات أهلية وقوى سياسية غربية للتأثير في سير هذه القضية وابتزازه أحيانا.

6- القضاء.. العنوان الأبرز للتسلط المخزني: اتسمت هذه السنوات باستمرار أزمة القضاء المغربي على كل المستويات رغم بعض الترقيعات التي نص عليها الدستور الجديد "الممنوح" الذي اعتبر هذا الجهاز "سلطة" وتغيير تسمية المجلس الأعلى باسم المجلس الأعلى للسلطة القضائية وإدخال تعديلات على تشكيلته.

7- انتفاضة شعبية مستمرة: يشهد المغرب في السنوات الأخيرة مسلسلا احتجاجيا مستمرا، حيث أضحى الاحتجاج الاجتماعي نشاطا شبه معتاد لساكنة تلاحظ يوما بعد يوم تخلي الدولة عن دورها وتهميش الفئات الفقيرة وتركها تواجه مصيرها وحيدة، خاصة أن الوسطاء السياسيين والاجتماعيين تخلوا عن دورهم في الدفاع عن الجماهير التي أصبحت مضطرة إلى الخروج إلى الشارع العام للاحتجاج كلما سنحت لها الفرصة، إلا أن المخزن كثيرا ما يلجأ إلى العنف الممنهج للتعامل مع هذه الاحتجاجات السلمية.

مع ظهور حركة 20 فبراير ازدادت وتيرة الاحتجاجات واتسع نطاقها ليشمل كافة المناطق المغربية، كما تنوعت الفئات الاجتماعية التي تحركت للدفاع عن مصالحها ابتداءً بالعاطلين عن العمل ومرورا بقدماء المحاربين والفلاحين والتلاميذ والطلاب ورجال التعليم وموظفي الجماعات المحلية وقطاع العدل والأئمة والعدول والفوسفاطيين وأصحاب سيارات الأجرة على إثر الزيادة في أثمنة المحروقات.

إن الانتفاضة الشعبية في الشارع أضحت الشكل الوحيد للإعلان عن سحب الثقة من المؤسسات الرسمية وللتعبير عن السخط الاجتماعي والسياسي الذي تعاني منه العديد من الفئات الاجتماعية التي تضررت من السياسات التي تتبعها الدولة، كما أن الأحزاب السياسية والنقابات، والتي عرفت تقليديا بنقل مطالب هذه الفئات إلى المركز، تراجعت عن دورها التأطيري بدعوى عدم الانسياق وراء الدعوات الشعبوية.

ورغم أن الحكومة الحالية حاولت الاقتراب، في شعاراتها الانتخابية، من هموم الفئات الفقيرة والمهمشة، إلا أن أحداث تازة وبني بوعياش واحتجاجات سكان أحياء الصفيح في عدة مدن، وقرار الزيادة في أسعار المحروقات وقمع الوقفات الاحتجاجية السلمية واتباع سياسة الإفلات من المحاسبة والتلكؤ في إصلاح صندوق المقاصة أبانت عن سلبية كبيرة في أول اختبار للحكومة التي قيل أنها جديدة من حيث الأشخاص والمنهجية والشكل والإطار السياسي والدستوري الذي تشتغل وفقه. ويضاف إلى ذلك الاحتجاجات غير المنقطعة لحاملي الشهادات العليا الذين أهينوا مرتين الأولى في عهد حكومة عباس الفاسي والثانية في عهد حكومة بنكيران الذي دمر آمالهم بعدما انتزعوا من سلفه مرسوما بالتوظيف المباشر لصالح خريجي سنة2011 وما قبلها، ولكن سرعان ما امتنع رئيس الحكومة الحالية عن تنفيذ مقتضياته.

8- العودة القوية للانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان: بعد أن تحدث المخزن مضطرا عن التخلص من الإرث الثقيل الذي خلفه ملف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وقام بجزء من ذلك بكلفة مالية بالملايير اقتطعت من المال العام لتبييض صفحة سوداء لجلادين ومجرمين ولتزيين حديقته الخلفية، عاد هذا الملف ليفرض نفسه بقوة في الساحة الوطنية مع انتهاكات عديدة عرفها المغرب في العديد من الملفات، خاصة في ما عرف بملف "السلفية الجهادية"، فَتَحْتَ ما سمي "الحرب على الإرهاب" تواصل الزج بالمئات من المغاربة في السجون والمعتقلات، في ظروف غير لائقة سطرت تفاصيلها تقارير منظمات حقوقية وطنية ودولية، كما أن العديد من المنظمات والجمعيات غير الحكومية تعاني من الممارسات التحكمية للسلطة، كان آخرها اختطاف القياديين السبعة لجماعة العدل والإحسان بفاس وتلفيق تهم واهية لهم وفبركة ملف للأخت هند زروق سرعان ما اكتشف مهندسوه استنكار الرأي العام لطريقة فبركته.

كما أن حركة 20 فبراير عانت من عنف مفرط للسلطة في عدة مناسبات، أدى إلى مقتل سبعة مناضلين في صفوفها، إضافة إلى التضييق على العمل الصحفي الذي عانى أصحابه من محاكمات الرأي والتعبير، ووفق القانون الجنائي أحيانا، والشهادات المتواترة من خلف أسوار السجون تؤكد استمرار التعذيب كما كان في الماضي، وكأن قدر المغاربة أن يكون لكل ملك حديقته الخلفية ولكل عهد انتهاكاته وجلادوه.

9- السياسة تصنع من أجل قتل السياسة: خول الدستور الممنوح الجديد للملك مكانة خاصة في الحقل السياسي المغربي، فهو يوجد على هرم السلطة السياسية في البلاد، وأعطاه الدستور اختصاصات احتكارية في مجالات شديدة الحساسية، ومع ذلك يسجل خلال هذه الآونة تجاوزه لصلاحياته مثل ما حدث مع تعيين مسؤولين سامين مثل السفراء، ويتدخل الملك في كل شيء دون أن يخضع للمحاسبة. وإن مركزية الملك في النظام السياسي المغربي ألغت باقي الفاعلين وقتلت مقومات الممارسة السياسية السليمة كما هي متعارف عليها في التقاليد الديمقراطية، مما سمح بصنع حكومات على المقاس، بوزراء يحملون ألوانا سياسية لا علاقة لهم بها، وفرض أسمائهم على أحزاب لم تقترحها ولا تنتمي إليها، وهو ما كرس حالة العبث وانعدام الالتزام السياسي والأخلاقي تجاه المغاربة، وهذا ما أضعف مصداقية الأحزاب وكرس منطق قتل السياسية وعزوف المواطنين وانتشار الإفلات من المحاسبة والعقاب.

إذا كان الملك هو الذي يشكل الحكومة ويضع برنامجها وخطة عملها، فماذا تبقى للحكومة فعله، وإذا كان الأمر كذلك فما جدوى إجراء انتخابات تصرف عليها أموال طائلة من المال العام، ولماذا تنصب حكومات لا تطبق برامجها، وتشكل الأغلبيات التي لا تمثل حتى أحزابها، والمعارضات التي تعارض مرغمة عن نفسها لأن الجميع يزحف انبطاحا للسلطة طمعا في المناداة عليه للاستوزار.

كما أن العديد من الملفات تسحب عمليا من الحكومة، سواء عبر التدخل الملكي المباشر أو عبر اللجان الاستشارية، ناهيك عن الأموال المقتطعة من الميزانية العامة لتدعيم العديد من الصناديق المحدثة من طرف الملك، كصندوق الحسن الثاني والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية ومؤسسة محمد الخامس للتضامن...

كما أن الحكومة ألفت تدبير قطاعات وملفات بعيدا عن السياسة الحكومية، كما هو الحال بالنسبة للقطاعات التي تسير من طرف وزراء غير منتمين، بل مختارين من طرف الملك تحت مسمى "وزراء السيادة"، وهم بذلك لا يمكن أن يطبقوا إلا برامج الملك ولا يخضعون إلا لتوجيهات مستشاريه.

ورغم أن الدستور المغربي ينص على أن الإدارة موضوعة رهن تصرف الحكومة، فإن الواقع يشهد أن وزارة الداخلية مافتئت تزحف على الإدارة المغربية عبر العديد من الوسائل وبعيدا عن سلطة الحكومة.

من جهة أخرى، يقوم الملك بإحداث وتعيين العديد من اللجان ذات الطابع الاستشاري ويكلفها بمهام هي من صميم العمل الحكومي أو البرلماني كاللجنة الاستشارية التي كلفها الملك بإعداد مشروع حول الجهوية الموسعة، مع العلم أن الحكومة يمكنها أن تقوم بذلك عبر مشروع قانون يعرض على البرلمان للمناقشة والتصويت، والشيء نفسه يسري على تعديل الدستور حين قام الملك بتعيين لجنة استشارية تقوم بإعداد مشروع التعديل ووضع لها التوجهات والأهداف والخطوط الحمراء، رغم أن البرلمان والحكومة يمكنهما القيام بذلك طبقا للمقتضيات الدستورية.

10- سراب التغيير: بعد أن انتكس مشروع الترقيع المخزني في دستور 2011، وبعد أن كشفت التقاريرُ المقاطعةَ الواسعة للاستفتاء الدستوري، لم يبق للمخزن إلا لعب ورقة التغيير، فكانت انتخابات 25 نونبر. وقبل أن ينبلج ضوء "التغيير" الموعود اغتيل "الوهم" بحقيقة صاح يقول نحن هنا، وهكذا توافدت تعزيزات لتقوية دار المخزن من خلال تعيين مجموعة من المسوؤلين السابقين كمستشارين في البلاط الملكي.

كما أن القصر قام بتعيين 30 سفيرا جديدا دون أن يسلك المسطرة المقررة دستوريا وأمام صمت رهيب لرئيس الحكومة، مما يقدم لنا مؤشرات ملموسة عن طبيعة التغيير الموعود.

وبعد إعادة تشكيل المشهد الحزبي الرسمي، طبعا كان كما أراد مهندسو الأغلبيات، من خلال الإيعاز إلى البعض بالركون إلى المعارضة وانتظار الدور القريب والدفع بالبعض الآخر إلى الانخراط في التحالف الحكومي وربما انتظار أن يوعز له هو الآخر عندما يحدث ملل في المشهد المفبرك. وبعد مخاض غير هين قدمت تشكيلة الحكومة للقصر لينظر فيها، ففعل فيها الأفاعيل وأخرج جسما حكوميا مشوها لا يبعث على الارتياح.

ورغم التبشير المبالغ فيه بعهد "التغيير"، فإن أرقام البرنامج الحكومي وما صرح به رئيس الحكومة لا تدعان مجالا للشك أن انتظارات الشعب المغربي سوف تتكسر أمام واقع مرير ومخزن ما فتئ يضع الأشواك ويزرع الألغام في طريق كل ذي مروءة وصادق ليحول الأمر إلى سراب ووهم يتعامى البعض عن رؤيته.

ثانيا: في المجال الاقتصادي: على حافة الإفلاس

 

11- احتكار الثروة وسيادة اقتصاد الريع: ما تزال السمة الغالبة على الاقتصاد المغربي هي الجمع بين السلطة والثروة واستغلال النفوذ والإثراء غير المشروع والإفلات من المساءلة واستفحال الفساد والتوزيع غير العادل لثروات البلاد وسيادة اقتصاد الريع وغياب الشفافية في الصفقات وعدم احترام قواعد المنافسة، وهذه اختلالات بنيوية يعاني منها الاقتصاد المغربي وهي نتيجة لسياسات عامة تقود إلى اغتناء فئة قليلة على حساب إفقار شرائح واسعة من المواطنين وإلحاق الطبقة المتوسطة بالفقراء وإغراق البلاد في المديونية ورهن توجهاتها بإملاءات المؤسسات الدولية المقرضة، ولذلك نجد الحل الأمثل دائما لمواجهة أي وضعية صعبة هو اللجوء إلى الاستدانة، كما فعلت حكومة عباس الفاسي سابقا، وكما تنوي حكومة بنكيران استدانة 20 مليار درهم من السوق المالي الدولي قبل متم السنة الجارية.

12- أرقام رسمية تنذر بالكارثة: ويكفي التذكير بأن عجز الميزانية تفاقم خلال ال 11 شهرا الأولى من السنة الماضية إلى 32.8 مليار درهم، مقابل 20.8 مليار درهم سنة قبل ذلك، بسبب ارتفاع النفقات العادية للدولة وتزايد تكاليف المقاصة وتطور كتلة الأجور وارتفاع مخصصات خدمة الدين، وارتفعت مديونية المغرب في الستة أشهر الأولى من السنة الجارية بنسبة11 في المائة مقارنة مع السنة الماضية لتصل إلى 385 مليار درهم، وهو ما يعادل 45 مليار دولار، تمثل منها نسبة الديون الخارجية ما قيمته 11,7 مليار دولار في حين تجاوزت قيمة الديون الداخلية 34 مليار دولار، وتقلصت مداخيل العملة الصعبة ولا يتوفر المغرب إلا على احتياطي أربعة أشهر من العملة على أقصى تقدير وهو احتياطي غير مطمئن إذا أخذنا بعين الاعتبار أن البلاد عرفت خروج مبلغ 30 مليار درهم ما بين دجنبر 2011 ويوليوز 2012 فقط بسبب ارتفاع فاتورة الطاقة التي بلغت 45 مليار درهم لتساهم بحوالي 80 في المائة في تفاقم العجز التجاري وبسبب ارتفاع سعر الدولار وأسعار المواد الأولية وتداعيات الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها منطقة اليورو، وسجلت واردات المغرب ارتفاعا ب 6.2 في المائة لأن واردات الطاقة والحبوب وحدهما تشكلان 70 في المائة من مجموع واردات المغرب، والطلب الخارجي على صادرات المغرب في تراجع، وخاصة الحوامض والصناعات الإلكترونية والنسيج، وعائدات السياحة تعرف انخفاضا كبيرا حيث فقد المغرب خلال الستة أشهر الأخيرة 135 ألف ليلة مبيت، وكذلك الشأن بالنسبة لتحويلات المغاربة المقيمين في الخارج التي تراجعت بنسبة 5 في المائة في الشهور الأخيرة. ونتيجة لكل ما سبق كان طبيعيا أن لا تتجاوز نسبة النمو 2.6 في المائة في نصف السنة الجارية من عمر حكومة بنكيران، والتوقع المنطقي أن لا تتعدى النسبة خلال السنة 2.7 في المائة، وحتى الرقم الأكثر تفاؤلا فهو الذي تضمنه تقرير المركز المغربي للظرفية ولن يتجاوز حدود 3 في المائة،. وهو ما يشكل فرقا شاسعا مع نسبة 5.5 في المائة التي توقعها التصريح الحكومي و7 في المائة التي وعد بها البرنامج الانتخابي لحزب العدالة والتنمية. وفي مجال الاستثمار، أكد بنك المغرب تراجع الاستثمارات الخارجية المباشرة ب14 في المائة نهاية نونبر من سنة 2011، مقارنة مع نفس الفترة من السنة الماضية، حيث سجلت 23,4 مليار درهم. وكل هذه الأرقام تبرز الاختلالات العميقة التي يعاني منها الاقتصاد المغربي والتي تجعله في أمس الحاجة لتمويل قدره 28.4 مليار درهم يغطيها بالأساس الدين الداخلي.

13- الأخطبوط الاقتصادي المخزني وغياب الشفافية والمنافسة: وهكذا نجد مجموعات اقتصادية عائلية تعد على رؤوس الأصابع، يدعمها في بعض الأحيان الرأسمال الأجنبي، تحتكر مقدرات البلاد وتمتلك من المقاولات والضيعات ما يمكنها من توجيه الاقتصاد مستفيدة من البرامج الاستراتيجية للدولة ومن الدعم العمومي. وقد شهدت سنة 2010 أبرز مثال على الاحتكار الاقتصادي بعد اندماج مجموعتين كبيرتين، وهما أونا ONA والشركة الوطنية للاستثمارSNI، والغريب في الأمر أن الشركة الوطنية للاستثمار هي من مقاولات الدولة التي تمت خوصصتها، والأغرب أن قانون مالية سنة 2010 أعفى الشركات المندمجة أو المنقسمة فيما يخص زائد القيمة الصافي المحقق على إثر المساهمة بجميع عناصر الأصول الثابتة وسندات المساهمة. وهذا يبين بجلاء أن اقتصاد الريع بالمغرب لا يشمل فقط مقالع الرمال أو رخص الصيد في أعالي البحار والنقل والمأذونيات، وإنما يتعدى ذلك إلى إهدار ملايير الدراهم على شكل نفقات جبائية وامتيازات لصالح ذوي النفوذ في الدولة أو المقربين منهم في غياب الموضوعية واحترام قواعد الشفافية والمنافسة، خاصة في مجال الصفقات العمومية وتفويت الأملاك المخزنية والشراكات بين الدولة والقطاع الخاص. ويضاف إلى اقتصاد الريع سوء التدبير المفوض المنفلت من الرقابة الجدية بتواطؤ مع من يفوتون تلك التفويضات واستشراء الرشوة والمحسوبية وتعقد المساطر الإدارية. ولا تشمل الظواهر المشار إليها بعض أغنياء المغرب فقط، حيث أن بعض الاستثمارات الأجنبية والتدبير المفوض الذي تم تفويته لمقاولات أجنبية (القطار فائق السرعة، الطرامواي، التدبير المفوض لقطاع الماء والتطهير في الرباط والبيضاء...) لا يراعي معايير النزاهة والشفافية ومصالح الاقتصاد الوطني.

14- تفشي الفساد الاقتصادي: ويزيد الوضعَ سوءا الفسادُ المعشش في كثير من الإدارات ومؤسسات الدولة من قبيل الرشوة وسوء التدبير والمحسوبية وغياب الشفافية في التدبير وضعف جودة الإنفاق العمومي وعدم نجاعة قانون الصفقات العمومية وضعف أجهزة الرقابة. وقد كشفت تقارير المجلس الأعلى للحسابات بعضا من سلوكات النهب والسلب وإهدار المال العام التي تعيشها جل مؤسسات البلاد مما يوضح أن الفساد أصبح سياسة ممنهجة لتدبير شؤون البلاد. ومن بين الأوجه الأخرى للفساد المستشري، هناك تفويت الوعاء العقاري للدولة بأثمنة بخسة لمجموعات محظوظة، عمومية مثل "العمران" أو خاصة مثل "الضحى" وإغراقها، فوق ذلك، بالإعفاءات الضريبية بمبرر "السكن الاجتماعي". وتم تفويت أراضي الدولة التابعة لشركتي (أراضي سوجيتا وصوديا) في اطار صفقات مشبوهة لا تخدم سوى اقتصاد الريع وذلك على شكل عقود كراء لم يحترم فيها لا عهد ولا ذمة. فبدل من احتضان العديد من المعطلين خريجي المعاهد العليا في كافة التخصصات ومنها على الخصوص معاهد الزراعة والبيطرة ومهندسي الدولة في الفلاحة، وتوزيع هذه الأراضي عليهم ،إما في شكل تعاونيات وضيعات فلاحية يستثمرون فيها قدراتهم وإبداعاتهم العلمية من أجل النهوض بالفلاحة والزراعة والمستوى المهني لباقي الفلاحين الذين سيدخلون معهم في شراكات متعددة.. بدل من ذلك برزت لائحة المستفيدين من هذا التفويت الخطير لصالح أسماء تنتمي إلى عالم السياسة والمال، مستغلة نفوذها السياسي وقربها من دائرة المخزن.

وإجمالا، فإن حالة الفساد في المغرب تترجمها بعض المؤشرات الدولية لسنة 2011، كمؤشر إدراك الرشوة الذي صنف المغرب في المرتبة 80 من بين 183 دولة ومؤشر مناخ الاستثمار الذي وضع المغرب في الرتبة 114 من أصل 180.

15– في انتظار التساقطات التي قد تأتي أو لا تأتي: تظل الفلاحة عصب الاقتصاد المغربي، ولها تأثير كبير على معدل النمو الاقتصادي. إذ يمثل هذا القطاع ما بين 12 إلى 20 في المائة من الناتج الداخلي الخام، ويشغل حوالي45 في المائة من السكان الناشطين. وتفيد المعطيات أن 70 في المائة من الضيعات الفلاحية تقل مساحتها عن الهكتار الواحد، وأن 90 في المائة من فئة الفلاحين الصغار، ومعظمهم لا يملك وسائل مادية ومالية وتقنية كافية للاستثمار في القطاع بشكل مهني ومواكب للتطورات الحديثة على المستوى العالمي. ويمثل مخطط "المغرب الأخضر" السياسة العمومية في المجال الفلاحي، وقد تم إعداده في ظروف اتسمت بالسرعة والسرية ليقدم أثناء المعرض الدولي للفلاحة في نسخة أبريل 2008، وبعد مضي هذه المدة، يمكن القول أن هذا المخطط لم يحقق ما كان منتظرا منه، فإذا كان المطلوب إيجاد 210000 هكتار في 3 سنوات، فإلى غاية كتابة هذا التقرير لم يتم عرض سوى 15000 هكتار على المستثمرين، هذا دون نسيان توجه المغرب نحو زراعات تصديرية والتخلي عن زراعات أساسية مثل القمح.

إن المتتبع لقطاع الفلاحة في المغرب منذ سنوات يلاحظ كثرة البرامج والمخططات بينما في أرض الواقع لا يرى تقدما ملموسا أو نتائج مرضية. وهذا يرجع بالأساس إلى عدم شمولية المخططات، وهذا يشكل تهديدا حقيقيا للفلاح المغربي ويجعل الأمن الغذائي للمغاربة صعب التحقق. وإن الرقي بهذا القطاع لا يحتاج فقط لبرامج ضخمة بقدر ما هو محتاج لبرامج تحترم كرامة الإنسان (حماية تأمينية أو تغطية صحية أو تكوين مستمر أو إعانات عادلة...

16– هل نحن على أبواب مجاعة؟: وفي ظل تقلبات الأسعار في السوق الدولية، عرفت مشتريات المغرب من المنتوجات الغذائية في السنوات الأخيرة ارتفاعا بشكل غير مسبوق، مما انعكس سلبا على الميزان التجاري وميزان الأداءات، وهو ما يؤشر على بزوغ نوع من التبعية الغذائية التي سوف تتفاقم كلفتها في السنوات القادمة. فقد تجلت الأزمة الغذائية على الصعيد العالمي بارتفاع كبير لأسعار المنتوجات الغذائية التي بلغت في الربع الأول من سنة 2008 أعلى مستوى لها منذ ثلاثين عاما. ورغم التراجع الذي عرفته في بعض الفترات خلال الأربع سنوات الأخيرة، إلا أن ذلك لا يمكن أن يخفي الأسباب الهيكلية لارتفاع الأسعار الفلاحية.

تلك الوضعية كانت لها آثارها على مشتريات المغرب، حيث وصلت واردات المغرب من القمح في نهاية شهر شتنبر2011، حسب المعطيات الأولية التي يوفرها مكتب الصرف إلى 7.07 مليار درهم، بزيادة 76.5 في المائة، مقارنة مع الفترة نفسها من السنة الماضية، وقفزت مشتريات السكر إلى 3.6 مليار درهم، بزيادة 61.4 في المائة، وبلغت واردات الذرة 3.59 مليار درهم بارتفاع بنسبة 26 في المائة. وهذا يؤكد التدهور الذي عرفه ميزان المنتوجات الفلاحية والغذائية، حيث ارتفعت حصة تلك المنتوجات في مجمل المشتريات من 9 في المائة في 2006 (20 مليار درهم) إلى حوالي 12 في المائة في 2010 (35 مليار درهم). وحتى قطاع الصيد البحري والأنشطة المرتبطة به الذي يفترض أن يشكل دعامة أساسية للاقتصاد الداخلي، لأن واجهة المغرب البحرية المتوسطية منها والأطلسية تفوق 3500 كلم وتحتوي على ثروات بحرية تتجاوز 850 نوعا من الأسماك والمنتوجات البحرية، يلاحظ أن هذا القطاع يعاني من عدة مشاكل ولا يساهم إلا بـ 2% من الناتج الداخلي الخام لأن السياسات التدبيرية التي انتهجتها غالبية الحكومات المتعاقبة لم تفلح في إخراج القطاع البحري من الأزمات التي يعاني منها والتي جعلت مستقبل الثروة السمكية الوطنية في خطر محدق بسبب الاستغلال العشوائي من طرف الأساطيل الوطنية والأجنبية على حد سواء، وما تستعمله من أدوات صيد مدمرة للثروة السمكية، ناهيك عن قدم الأسطول البحري وضعف وعتاقة بنياته الإنتاجية وتقادم معظم وحداته وضآلة أعدادها مقارنة مع أساطيل الدول التي تربطها بالمغرب اتفاقيات ثنائية في مجال الصيد البحري، ومعاناة المقاولة الصناعية البحرية كباقي مكونات القطاع البحري من عدة عوائق بنيوية، وفي طليعتها مشكل التموين وما يخلفه من انعكاسات سلبية على استمرارية هذا النسيج الصناعي، مما أدى إلى إفلاس عدد كبير من الشركات العاملة في القطاع وتزايد وتيرة الإضرابات نتيجة للتهميش الذي عرفته الشغيلة وكثرة البرامج التي لم تلق أي نجاح أو متابعة، ومنها برنامج الضمان البحري.

17- اقتصاد المغرب.. إلى أين؟: لا يمثل كل ما سبق ذكره إلا النزر اليسير من لائحة طويلة من المعضلات الاقتصادية التي يتخبط فيها المغرب والتي جعلت الجميع يدق ناقوس الخطر ويحذر من الهاوية والإفلاس والكارثة.. وإن الاستمرار في سياسات عمومية ارتجالية وفوقية ومفروضة دون الوقوف الحقيقي على جدواها ومدى نجاعتها ليس من شأنه قيادة اقتصاد البلاد إلى الإفلاس ووضعه تحت الوصاية المباشرة للمؤسسات الدولية. وإن هذه الوضعية تدفع كل ذي غيرة إلى التساؤل حول الأسباب والتأكيد على ضرورة مراجعة نموذج النمو الاقتصادي المتبع في المغرب منذ عقود بغية تسريع وتيرة النمو الاقتصادي مع الحفاظ على التضامن والتماسك الاجتماعي.. وهذا يستلزم إعادة النظر، بشكل مستعجل وشامل وجذري، في النموذج القائم على الاستراتيجيات القطاعية والأوراش الكبرى وانسحاب الدولة وتراجع الاستثمار العمومي وغياب العدالة الضريبية والاستعاضة عنها بسياسات منسجمة وشفافة ومندمجة في قطاعات الصحة والسكن والتربية والتشغيل.

 

ثالثا: وفي المجال التعليمي والثقافي والإعلامي: عبث وتمييع وتمويه

 

18– التعليم.. الحصاد المر لسياسات العهد الجديد: جعل الملك العشرية الأولى من عهده، المسمى جديدا، "عشرية وطنية" للتربية والتكوين و"أولوية ثانية" بعد "الوحدة الترابية"، وعملت الأجهزة التنفيذية على تنزيل ما سمي ب"الميثاق الوطني للتربية والتكوين" الذي جاء على أنقاض "اللجنة الملكية المختصة بالتعليم" التي كان الحسن الثاني قد رفض نتائج أشغالها بسبب ما سماه ب"عقلية الستينات والتشبث بالتعريب والمجانية"، وطلب عوض ذلك "رأيا استشاريا" من البنك الدولي كان منبع ومرجع ما سطر بعد ذلك في ميثاق "مزيان بلفقيه."

ولم تكد هذه العشرية تنتصف حتى تحدثت عدة تقارير دولية عن تدني المؤشرات المرتبطة بالتعليم، فاحتلت بلادنا المرتبة 126 من أصل 177 دولة في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، والرتبة ما قبل الأخيرة من تصنيف بيرلس pirls من بين 45 دولة، وصنف تقرير البنك الدولي عام 2008 المغرب في الرتبة 11 من بين 14 دولة عربية فيما يتعلق بإمكانية الحصول على التعليم، والمساواة والكفاءة والجودة، وستتعزز هذه التقارير الدولية بإعلان رسمي، في خطاب الملك أمام البرلمان في أكتوبر 2007، عن الحاجة إلى مخطط استعجالي لتجاوز الثغرات واستكمال وتيرة الإصلاح، فكان أن تلقف المنفذون التعليمات/الإشارة ومضوا يصوغون ما عُد اعترافا صريحا بفشل المنظومة التعليمية حسب ما أقر به تقرير المجلس الأعلى للتعليم وصرح به الوزير المكلف في قبة البرلمان عام 2008 فدق آخر مسمار في نعش ميثاق تعرت حقيقته وخرج إلى ردهات المؤسسات التربوية ما سمي بالبرنامج الاستعجالي الذي سرعان ما أعلنت الحكومة الموالية فشله وإلغاء مجموعة من إجراءاته بعد أن أُهدرت أموال الشعب في تكوينات ارتجالية وتعاقدات فاشلة وخطط تجريبية، وليبلغ الاستعجال ذروته ويزداد تأكد استمرار سياسة العبث في تدبير قطاع هو الحياة أو الموت بالنسبة لأمة تريد الرقي والازدهار في عالم التطور العلمي والمعرفي.

وها نحن بعد أزيد من خمسين سنة من الاستقلال المزعوم لم نضع قاطرة التعليم على سكتها الصحيحة، فلم ننجح في اختبار التعميم ولا المجانية ولا التوحيد ولا المغربة، ولا تجلت لنا كفاءة الأطر والبرامج والمناهج والمؤلفات، ولا استطعنا بشعاراتنا عن الكفايات والمواطنة والسلوك المدني أن نحقق طفرة تمكننا من تحقيق أساس كل مشروع تنموي.

لم تكن الحصيلة إذن أفضل مما كانت عليه وذلك في مستويات متعددة:

فعلى مستوى الرؤية، ينعدم تحديد أولويات للإصلاح غير أولوية الرفع من مؤشرات تقارير التنمية البشرية الدولية..وعلى مستوى التدبير والحكامة الجيدة، هناك تسرع في تنزيل مشاريع البرنامج الاستعجالي بوتيرة متسارعة عطلت العمل التربوي وأغرقته في تقارير مكتبية وما صاحب ذلك من ضعف إجراءات اللامركزية وعدم قدرة الإدارة المحلية على مجابهة اختلالات المنظومة محليا بسبب الارتجال في الإدارة المركزية وضعف المصاحبة والتكوين اللازمين.. وعلى المستوى المالي، زادت حدة الاعتماد على المساعدات والقروض الأجنبية من المنظمات الدولية مع ما يعنيه ذلك من الاستجابة لإملاءاتها في قضية أمن قومي كقضية التعليم، هذا دون الحديث عن غياب الشفافية في الإنفاق.

أما على مستوى المضمون، فتم الانشغال باستيراد وتنزيل بيداغوجية جديدة ضمن سياقات برامج تعليمية صيغت بمداخل مختلفة، ناهيك عن عدم اعتبار قيم الهوية الإسلامية في صياغة المناهج والبرامج، مما جعل من مؤسساتنا مرتعا خصبا لفشو كل أنواع الرذيلة والعنف والمخدرات وانعدام الجدية متساوقة في ذلك مع الواقع المجتمعي والإعلامي العام، ولم يكن بحثنا العلمي بأفضل حالا مما ذكرنا، حيث احتلت جامعاتنا المراتب الذيلية في التصنيف العالمي، وخاصة في التخصصات العلومية، حيث غدت جامعاتنا مخزنا لتخريج المعطلين ممن تبور بضاعتهم في سوق الشغل.

إنها مسيرة الفشل بامتياز، فشل المخزن في إيجاد بوصلة موجهة للتعليم فدخل في سلسلة من العمليات سماها إصلاحات يضرب بعضها بعضا وينسخ الآخر منها سابقيه بفعل غياب مشروع مجتمعي واضح وإرادة للتغيير وسياسة تعليمية حقيقية.

فشل المخزن في فك تبعية منظومتنا التعليمية وفي تحقيق استقلالية قرارنا التعليمي فجعله رهين المؤسسات المالية الدولية تملي عليه ما يخدم مصالحها، وفشل المخزن في ضمان كراسي كافية لأبناء هذه الأمة، فكانت النتيجة ارتفاع الأمية والهدر المدرسي، وفشل المخزن في ضمان الجودة في التعليم فخرج آلاف المعطلين المعزولين عن سوق الشغل تدق أضلعهم أمام البرلمان أو يحرقون ذواتهم.

إن الفشل في بناء منظومة تعليمية راشدة فاعلة ليس بدعا وسط الفشل العام الذي هو السمة الغالبة لكل المشاريع التي خرجت من رحم دار المخزن..وإن مشكلتنا أعمق من خطوات جزئية عديمة النفع لأنها محكومة بسياق الفشل العام الذي تتخبط فيه البلاد على كافة الأصعدة، ولأنها صادرة عن نفس العقلية المتنفذة التي بنيت على الإملاء والتعليمات.

إن دولة تنفق الملايير دون محاسبة أو مراقبة على المظاهر الفلكلورية الاستعراضية لتلميع صورتها أمام العالم الخارجي وتشح بمال الأمة على ميدان حيوي كميدان التعليم، لهي دولة فاقدة لأي حس تربوي تدبيري في عالم متوحش لا مكان فيه لمن لا يحسن تدبير موارده البشرية.

إننا في حاجة إلى تعليم يحررنا من قيود الاستبداد والاستعباد، ومن شراك مصطلحات ومفاهيم بنيت على أسس غير أسسنا وعلى أرضيات غير أرضنا، وفي حاجة إلى تعليم يحرر إراداتنا وعقولنا وسلوكاتنا لنؤسس مشروعا مجتمعيا ننطلق فيه من المؤصل الرباني من ديننا وننفتح فيه على الحكمة الإنسانية المبدعة، وقد آن الأوان أن يتصدى لعملية التربية أهل القوة والأمانة، وأن ترفع يد الاستبداد عن مصير الأمة ومستقبلها بعيدا عن الحلول الترقيعية.

19– الثقافة.. الإسفاف والاحتواء والميوعة: ومما يزيد الطين بلة ما تعرفه الساحة الثقافية من اختلالات وانتكاسات في الأنشطة الثقافية، شكلا ومضمونا، وتدني مستوى الأعمال الفنية المقدمة، إن على مستوى المسرح أو السينما أو التلفزيون، وإغراق الساحة بالمسلسلات الرديئة مضمونا ولغة، والتراجع المستمر في مجال القراءة والمطالعة، وعدم مواكبة النشر والتوزيع للمنجز الثقافي، وتقلص دور الدولة في الدعم، وغياب سياسة ثقافية واضحة المعالم، وفقدان رؤية استراتيجية بديلة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وانشغال معظم المثقفين بالمناصب والامتيازات، ونزوع العديد منهم نحو الصراعات الهامشية والأفقية فيما بينهم بحثا عن الارتقاء الشخصي، أو الاستفادة من الدعم والنشر والمال العام السائب، أو التقرب من السلطة المخزنية التي نجحت في احتواء الكثير منهم.

وكل ما سبق جعلنا أمة ضعيفة مفعولا بها، وهو ما قاد إلى تهديدات لكينونة الإنسان المغربي، سواء من خلال إهمال الموروث الحضاري والثقافي الذي يربط ماضي المغاربة بحاضرهم ويسمح لهم باستشراف مستقبلهم، أو من خلال انتشار موجات التنصير وتنامي ظاهرة التشيع وارتفاع وتيرة التطبيع مع الكيان الإسرائيلي، وهو ما يفرض على كل الغيورين تفعيل المطلب الذي قدمناه أكثر من مرة بوضع قائمة سوداء لكل المطبعين مع هذا الكيان الغاصب.

إن هذه الوضعية تتطلب منا على وجه السرعة والاستعجال تدارس واقع وآفاق الثقافة المغربية الغنية والمتعددة الروافد والمتنوعة المشارب من قبل مثقفين مغاربة مشهود لهم بالكفاءة والغيرة والمصداقية والاستقلالية، ودعم البنيات والأنشطة الثقافية برفع الاعتماد المالي لهذا القطاع مع عقلنة الإنفاق وفق قواعد الشفافية والاستحقاق، ووضع استراتيجية واضحة وملائمة تأخذ بعين الاعتبار جل المقترحات، وعلى رأسها عدم إغفال التنوع الثقافي الذي تزخر به بلادنا.

20– تغييب متعمد لمقومات السلطة الرابعة: وبالموازاة مع كل ما سبق من جرائم مخزنية في حق الناشئة وتدجين المثقفين، تحكم السلطات المخزنية سيطرتها على الإعلام، بدون توفرها على سياسة إعلامية، باحتكارها للإعلام المرئي وحرمان المعارضين من حقهم في هذا القطاع الممول من المال العمومي، ورقابتها على القنوات الأجنبية ومراسليها، وتمييع المشهد السمعي بتعددية لا تراعي الذوق العام والطابع التوعوي والتثقيفي للإعلام، وتمسكها بقانون صحافة متجاوز، وإصرارها على متابعة صحفيين بمقتضى القانون الجنائي، وإبقائها على العقوبات السالبة للحرية في جرائم النشر، وعدم تفعيلها للحق في الولوج إلى المعلومة، وعدم احترامها لاستقلالية القضاء في الكثير من محاكمات الصحفيين، وتحكمها في الخط التحريري للكثير من المؤسسات الإعلامية بسبب تحكمها في سوق الإعلانات الذي لا يخضع لمنطق وقواعد موضوعية، وتوظيفها لسلاح الدعم لاحتواء الصحف والصحفيين، وتشجيعها الخفي للحروب البينية داخل الجسم الصحفي. ولا تفوتنا هذه المناسبة للتذكير باستمرار حرمان الجماعة من حقها في التواصل مع الرأي العام، حيث ما تزال كل منابرنا الإعلامية المطبوعة ممنوعة من الصدور (مجلة الجماعة، الصبح، الخطاب، العدل والإحسان، رسالة الفتوة)، ومازال التشويش والحجب يطول مواقعنا الإلكترونية، وما زال رأي الجماعة مغيبا في الإعلام السمعي البصري.

 

رابعا: وفي المجال الاجتماعي: النتائج الكارثية لتخلي الدولة

 

21– إصرار على تغييب الشعب من المشاركة العامة: في غياب إرادة سياسية حقيقية للتغيير الشامل وانعدام رؤية مجتمعية واقعية وتعبئة عامة للمجتمع للمشاركة البناءة في تدبير الموارد المتاحة، وأمام الفساد الاجتماعي العام وغياب التنمية الاجتماعية الشاملة القائمة على قاعدة العدل والمؤسسة لمجتمع التوزيع العادل للدخل والثروة، فإن الكثير من الإجراءات التي وضعت للنهوض بالمجالات الاجتماعية باءت بفشل وتخبط ظاهرين زاد من حدته الانسحاب التدريجي للدولة من التأثير في المجال الاجتماعي، وغياب العدالة في توزيع الدخل الوطني والمعالجة الجدية للأزمات التي تعانيها الفئات الاجتماعية كلها. والنتيجة هي ظاهرة العزوف واللامبالاة والسلبية وعدم الثقة.

22– المرأة والمعاناة المضاعفة: تزداد وضعية النساء تدهورا بفعل الاستغلال والتهميش بشتى أنواعه، وهو ما يتجلى في ضعف الولوج إلى التطبيب، خصوصا بالوسط القروي، وتدني الخدمات الصحية واستقرار مؤشر معدل وفيات الأمهات في مستويات الدول المتخلفة وشيوع ظاهرة الدعارة،. ورغم أن النساء مثلن سنة 2010 ربع الساكنة النشيطة ب 26.8 في المائة، فهن الأكثر تعرضا للبطالة والإقصاء والحيف والفقر، وبلغت نسبة النساء المعنّفات حوالي 62.8 في المائة. وللأسف، فمعظم الإجراءات لتحسين وضعية المرأة كانت دون المستوى وتجزيئية واستجابة لإملاءات دولية دون إرادة حقيقية وخطة شمولية.

23– البطالة.. الشبح المخيف للمغاربة: وأصبحت البطالة تشكل واحدة من المعضلات التي يتخبط فيها المجتمع المغربي بسبب انحباس معدل النمو الذي لا يمكنه توفير 400 ألف وظيفة سنوياً لمنع تفشي البطالة وتفادي الاضطرابات الاجتماعية. وتخرج الإحصائيات الرسمية شرائح مجتمعية عريضة من دائرة البطالة رغم كونها لا تمارس شغلا، فالمتعلمون وذوو الاحتياجات الخاصة والمسنّون والمتقاعدون ومن يئس من العثور على العمل وأصحاب العمل المؤقّت والقطاع غير المنظّم وقاطنو الشوارع ومن لا حاجة لهم في العمل والعمّال الموسميون ومن يساعدون الأهالي في الحقول وأصحاب الأعمال غير المؤدّى عنها، كل أولئك خارج دائرة البطالة في تصنيف المؤسسات الإحصائية الرسمية، ويعتبر اللّعب بالأرقام والمؤشرات الوصفة السّحرية لإخفاء الأعداد الحقيقية والمقلقة للبطالة، وآخرها ما جاء في نتائج البحث الوطني حول الشباب لسنة 2012 ، الذي أصدرته المندوبية السامية للتخطيط، والذي قام بتمطيط قاعدة الشباب لتمتد من 18 سنة إلى 45 سنة، رغم أن العديد من قواعد المعطيات الدولية تَعتبِر الشباب، كل الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 15 وأقل من 25 سنة، فيما اعتمدت دراسات وتحاليل وطنية ودولية أخرى الفئة العمرية المتراوحة بين 15 وأقل من 30 سنة، بل وحتى 18-29 سنة.

24– أزمة السكن.. مؤشر آخر لإذلال المغاربة: وأصبح امتلاك سكن ملائم للعيش الكريم حلما مستحيل المنال بالنسبة لأوسع الشرائح رغم كل التحفيزات المالية للمنعشين العقاريين، حيث تم بموجب قانون مالية سنة 2010 رفع ثمن الشقة من 20 مليون إلى 25 مليون مع الإعفاء الضريبي، وقد كشفت دراسة للبنك الدولي أن 40 في المائة من مجموع السكن الاجتماعي لم يستهدف الأسر المعنية، وأنه أقل جودة، وأفرز تشوهات عمرانية واكتظاظا، وساهم في إنتاج سكن غير لائق عبر بناء صناديق إسمنتية. وقد أبانت كل البرامج التي اعتمدتها الدولة للقضاء على أزمة السكن والسكن العشوائي عن فشل ذريع بسبب الفساد العام المستشري في القطاع وسيادة الحلول الترقيعية. وخير مثال في هذا الصدد هو حوادث انهيار المباني على المواطنين وعجز الدولة في أعلى مستوياتها عن وضع حد لهذه الكارثة التي يروح ضحيتها مواطنون أبرياء لا ذنب لهم لأن الدولة لم توفر لهم لا السكن ولا العلاج.

25– الانحراف.. مؤشر آخر للتخريب المخزني لقيم المغاربة: وأصبح المجتمع المغربي أسير العديد من الظواهر التي تقطّع أوصاله، مثل التفكك الأسري الناتج عن حالات الانفصال والهجر والطلاق أو الوفاة، وحالات النزاع المستمر بين أفراد الأسرة، والغياب الطويل الأمد لأحد الوالدين وتفشي العنف الأسري وتنامي ظاهرة العزوف عن الزواج، وتأخر سن الزواج، وتنامي الخيانة الزوجية، وما يترتب عن تلك الظواهر من آثار جانبية ليس أقلها قضايا الأطفال المتخلى عنهم وانتشار عمليات الإجهاض...

وقد عرف عدد المتسولين ارتفاعا ملحوظا، حيث قدر عدد المتسولين في البيضاء وحدها بما يزيد على 35 ألف متسوّل، واتسعت قاعدة الأطفال المتسولين والمعارين للتسول بشكل كبير، وبلغ معدل الجرائم شهريا 28 ألف جريمة، 65 في المائة منها بسبب الخمر والمخدرات، وتعرف السجون اكتظاظا كبيرا، 80 ألف نزيل سنة 2010، ونصف المساجين لا يتجاوز عمرهم 30 سنة، وقد بلغت حالات العود نسبة 29.3 في المائة، بل إن السجون المغربية أصبحت مدرسة لتخريج المجرمين والمنحرفين وتجار المخدرات بمختلف أصنافها.

وارتفعت واردات المشروبات الكحولية ب 126في المائة. وأشار قانون المالية لسنة 2010 إلى أن الضرائب على التبغ تصل إلى 6 ملايير و900 مليون درهم، كما أن 90 في المائة من حالات السرطان مرتبطة بالتدخين.

26– المبادرة "الوطنية" للتنمية البشرية.. عنوان الفشل المخزني الشامل: ورغم ما تحشده كل مؤسسات الدولة لما سمي بالمبادرة الوطنية للتنمية البشرية من دعم مادّي وإعلامي، فإن هذه الأخيرة لم تحد من الفقر ولم تقلص من الهشاشة والإقصاء والتهميش إلا ما يعرض على القنوات الرسمية. إن الفرق المهول والشرخ العميق بين ما تم إعلانه من أهداف وما تم تحقيقه من نتائج في مجال التنمية البشرية ببلدنا مقارنة بالإمكانيات والموارد المعبّأة، لخير دليل على تخبط الدولة في مستنقع الفساد والارتجال وغياب التنسيق وضعف التشاركية والحكامة والانتقائية في تنزيل المشاريع والتسرع في اتخاذ القرار وتنفيذه وغياب الرؤية الشاملة، وعلى تهميش الكفاءات النشيطة وإقصاء الفضلاء والغيورين على البلاد من فاعلين سياسيين واقتصاديين واجتماعيين من المشاركة والانخراط الفعال في تحقيق التنمية الاجتماعية المطلوبة.

27– الصحة.. شاهد آخرعلى امتهان المغاربة: وقد تزامنت هذه الفترة مع المخطط الصحي الخماسي 2008-2012 والذي حدد أهدافا استراتيجية طموحة لم تراع الواقع والإكراهات ولم تشرك رجال الاختصاص ولم تأخذ بعين الاعتبار ضرورة توفير هيئات ديمقراطية من داخل المعنيين تستشار في كل الخطوات وتراقب مدى الالتزام بأخلاقيات المهنة، وغيبت أي حديث عن تحديث الترسانة القانونية المتقادمة المنظمة للقطاع. وقد أجمع الخبراء في الميدان الصحي على أن السقف الذي حددته الوزارة يستحيل تحقيقه نظرا للإمكانيات المادية والبشرية وطرق التدبير المتبعة. وها نحن نشرف على نهاية المخطط الخماسي والأهداف المسطرة لازالت بعيدة، والوضع الصحي في تدهور، والعاملون في القطاع في تذمر، وخير دليل على ذلك حركة الاحتجاجات التي يشهدها القطاع.

ففي ما يخص التمويل، يلاحظ ضعـف الإنفـاق العـام علـى قطـاع الصحـة، حيث ظلت حصة وزارة الصحة من الناتج الداخلي الخام مستقرة بين 4.5 في المائة ولم تتعد 5 في المائة (توصي منضمة الصحة العالمية ب9 في المائة) رغم التحديات والتحول المرضي (transitionépidémiologique) الذي أدى إلى ظهور أمراض مكلفة مثل السرطان وأمراض القلب والشرايين. هذا وتميزت الفترة بضعف الإنفاق الصحي على المواطنين، إذ بقي النصيب السنوي للفرد أقل من 560 درهم، رغم تحسن التغطية الصحية، إذ مرت من 16 في المائة إلى 30 في المائة لكن لازال المواطن يتحمل القسط الكبير من الإنفاق الصحي، إذ نسجل أن 30 في المائة من المواطنين لا يستفيدون من أي نظام للتغطية الصحية وهم أصحاب المهن الحرة والحرفيون والتجار، وفي ما يخص نظام المساعدة الطبية، عرفت تجربة بني ملال فشلا ظاهرا بشهادة مختصيين و برلمانيين ومع ذلك اتخذ قرارسياسي بالتعميم في مارس 2012 بعد تأخر سنتين، والنتائج الحالية تشير إلى وجود مشاكل كثيرة في دراسة ملفات الطلبات من طرف سلطات الداخلية وعدم جاهزية المستشفيات وسوء التواصل بين المواطنين وأطر الصحة.

وفي ما يتعلق بتخليق الفضاء الصحي، تميزت هذه الفترة بعدة ملفات فساد، سواء على الصعيد المركزي أو المحلي، وأهم مؤشر على ذلك احتلال قطاع الصحة للرتبة الثالثة في الرشوة، وتذمر الساكنة من الكثير من الحوادث مثل الولادات خارج المستشفيات والمراكز الصحية، وعدم الاستجابة لشريحة كبيرة من مرضى القصور الكلوي و أمراض السرطان. وقد أدى سوء التدبير إلى نقص مهول في الموارد البشرية وخاصة الممرضين، ناهيك عن تداعيات المغادرة الطوعية التي تسببت في نزيف كبير للكفاءات من الأساتذة، وتدني تكوين الأطر الصحية، وكثرة الفضائح في التعيينات في مناصب المسؤولية، إذ يتم الاستغناء عن بعض الكفاءات وتعويضها بعناصر تفتقر إلى الخبرة ولا تتوفر فيها الشروط القانونية لتولي تلك المناصب، مما أدى إلى وقفات احتجاجية، دون نسيان نقص التكوين المستمر وغياب الانسجام بين التكوين والتطبيق الميداني، واستمرار سوء توزيع الأطر الصحة، إذ نجد أن المناطق المنعزلة لاتزال تشتكي من سوء التغطية الصحية، ولا يعزى ذلك إلى قلة الأطر فقط، بل إلى سوء التوزيع وانعدام العدل في تعيين الأطر الصحية، حيث نجد على سبيل المثال بعض المراكز الصحية في الرباط أو تمارة يوجد فيها أطباء متخصصون في حين تفتقر أقاليم بأكملها إلى نفس التخصص.

وفي ما يخص إدارة المستشفيات، سجلت هذه الولاية تبني بعض المبادرات من أجل تحسين جودة الخدمات الصحية، مثل مباراة الجودة وشهادة الاعتماد في المستشفيات ودور الولادة، لكن المواطن لم يلمس أي تحسن بسبب البطء في تجديد الأجهزة التقنية وتقادم المستشفيات وهو ما أدى إلى تدني جودة الخدمات، 50 في المائة منها يفوق عمره 30 سنة، وتدهور ظروف العمل وتذمر الشغيلة الصحية مما يؤدي إلى كثرة الإضرابات والتوقف عن العمل وتضرر المرضى وإلغاء المواعيد وازدحام مرضى المساعدة الطبية وعدم قبول الوصل. ناهيك عن الفوضى التي يعرفها القطاع في مجال إدارة المصحات الخاصة.

وإلى حدود 2012 ورغم الوعود والأهداف التي تم تسطيرها، فإن الساكنة لازالت مهمشة من الناحية الصحية بسبب عدم التوازن في توزيع الأطر الصحية والتجهيزات وصعوبة الولوج إلى بعض المناطق النائية وإهمال البنية التحية لهذه المناطق وإلغاء العمل بشهادة الاحتياج مع مطلع 2011 دون تعميم التغطية الصحية. ورغم الدعاية للتخفيض في ثمن الدواء لازال المواطن يشتكي من غلاء الأدوية، خاصة فيما يتعلق بالأمراض المكلفة مثل السرطان والقصور الكلوي وأمراض القلب.

28- استفحال المعاناة الشعبية: إن هيمنة المقاولات العائلية والمخزنية على المفاصل الحيوية للاقتصاد وغياب التوزيع العادل للثروة وغياب المساواة في تحمل الأعباء وسع دائرة الفقراء بسبب الغلاء الجنوني لأساسيات المعيشة والتدهور الحاد في الخدمات الاجتماعية العمومية والتسيب غير المراقب في الخدمات الخصوصية وارتفاع وتيرة التسريح من العمل بدون احترام القانون، ففي سنة 2008، أصدر البنك الدولي تقريرا انتقد فيه بشدة مستوى الفقر بالمغرب مسلطا الضوء على أرقام مثيرة للقلق من قبيل:

- 15 % من السكان، أو ما يقرب من 5 ملايين شخص، يعيشون تحت عتبة الفقر؛

- 25 % من السكان، أو ما يقرب من 8 ملايين شخص، يعيشون على عتبة أو دون مستوى الفقر؛

- 50 % من السكان الذين يعيشون فوق خط الفقر "الضعيفة اقتصاديا" معرضة للأمراض والإعاقة، أو فقدان وظيفة؛

- 40 % من المغاربة، أو ما يقرب من 13 مليون نسمة، تواجه صعوبات في الحفاظ على نمط حياة متواضعة أو لمجرد البقاء على قيد الحياة يوما بعد يوم؛

- 2.5 مليون طفل، معظمهم من الفتيات في المناطق القروية، لا يذهبون إلى المدرسة؛

- 83 % من النساء في المناطق القروية أميات.

وتلحق بالفقر معضلة البطالة، ففي الوقت الذي تفتخر التقارير الرسمية بتراجع المعدل الوطني للبطالة بنقطة أو نقطتين كل سنة، نجد طوابير المطالبين بالعمل تزداد طولا وأعداد المهاجرين المغاربة السريين الذين يلقون حتفهم في عرض البحر الأبيض المتوسط لا تنقص، دون نسيان هجرة الأدمغة والكفاءات الوطنية. والغريب في الأمر أن الدولة تراهن على المشاريع الكبرى وعلى القطاع الخاص، وخاصة الشركات الأجنبية، لتوفير مناصب الشغل لمئات الآلاف من المواطنين وهي تتجاهل المشاكل التي يتخبط فيها هذا القطاع منذ عشرات السنين والاستغلال البشع الذي يطال العاملين فيه في غياب أي ضمانات للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. فلا غرابة إذن أن يكون المغرب في المراتب المتدنية في التصنيف الدولي، حيث يقبع في المرتبة 136عالميا من بين 213 دولة بالنسبة للدخل الفردي و 130 من أصل 180 على سلم التنمية البشرية.

خامسا: عين على المستقبل: إلى الميثاق الجامع قبل فوات الأوان

إن استمرار الاستبداد السياسي واحتكار الثروة وسوء توزيعها وتأزم الأوضاع المعيشية وانعدام شروط العيش الكريم ينذر بطوفان وشيك لأن عوامله تستفحل يوما بعد آخر، وأهمها تنامي الاحتجاجات التي تتخذ أبعادا أكثر تصعيدا واستمرارا واتساعا، سواء على المستوى الجغرافي أو الفئوي أو القطاعي وعدم اقتصارها على المطالب الاجتماعية لأن الوعي بجذورها السياسية وأسبابها الحقيقية ينمو لحظة بعد أخرى، وخاصة في ظل إصرار السلطات المخزنية على تفضيل المقاربة الأمنية والتسويف والمناورة واللعب على الشعارات وتغيير الوجوه ربحا للوقت وتزييفا للحقائق وتسويق صورة خادعة للخارج عن المغرب وبيع الوهم للمغاربة.

نحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى تغليب الحكمة واستحضار مصلحة المغاربة ومراجعة الذات بعد النتائج الكارثية التي قاد إليها هذا التدبير الأحادي والسلطوي، وطريق ذلك، نعيد تكراره بدون ملل، هو الحل الجماعي الذي يبتدئ بحوار وطني مفتوح بدون خطوط حمراء ويشارك فيه الجميع من أجل وضع خارطة طريق لإنقاذ المغرب وصياغة ميثاق جامع يوحد الجهود وينسق المبادرات في مشروع مجتمعي تتكتل حوله كل كفاءات البلد بمقاربة تشاركية وشفافة تربط ممارسة السلطة بالخضوع للمحاسبة وتجعل الشعب صاحب السيادة وتحد من تمدد كل سلطة بوضع سلطة موازية لها، وصياغة دستور يصادق عليه الشعب بعد إعداده من قبل جمعية تأسيسية منتخبة حتى نقطع مع دساتير المنحة التي لا تزيد الشعب إلا عزوفا ولا مبالاة، وبعد هذا يمكن الحديث عن جدوى انتخابات بعد إقرار كل ضمانات نزاهتها طيلة كل مراحل الإعداد لها.

بهذا فقط نبني مغرب المستقبل، الذي نأمله بلد المؤسسات واحترام القانون وصون الحقوق والحريات وسيادة الشعب وفصل السلط وتوازنها.

صودق عليه في المجلس القطري للدائرة السياسية بالإجماع.

الدار البيضاء يوم السبت 20 شوال 1433 الموافق 08 شتنبر 2012.

تاريخ النشر: الخميس 13 شتنبر/أيلول


معاريف بريس
www.maarifpress.com






 

أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



أحزاب عائلية أم أحزابا في خدمة الشعب؟

مليلية بين التهميش و سوء التصرف الاسباني

مدينة القصر الكبير..مدينة الظلام

حسني مبارك الرجل الدي واجه اوباما

حسني مبارك رجل... قال للأمريكيين لا ،وللأوروبيين لا،وللارانيين طز

حزب يقود حملة تطهير ضد منتخبين بتمارة

أمريكا دربت نشطاء أمازيغ ،اسلاميين ،ويساريين لمدة ثلاث سنوات

الوصول الى نهائى كأس الملك ليس الا بداية

جمعيات حقوقية تظم صوتها لحركة 20 فبراير

،الفيسبوك ،الدين ،الشباب

الاعلام الامريكي يضحد الاطروحات التيئيسية بالمغرب

حزب التقدم والاشتراكية يعبر عن موقفه من التطورات في المغرب

فضائح أمنية بالبرلمان المغربي

الجزائر تشعر بالرعب من التقرير الامريكي

المغرب يحتل المرتبة الثالثة عربيا باستعمال الفايسبوك

قضاة المجلس الاعلى للحسابات يتساءلون ما الفائدة؟

حركة حقوقية تعقد مجلسها الوطني

الحكومة الاليكترونية ترتقي بالحياة

مركز حقوقي يسلط الضوء على أنشطته

هياة الانصاف والمصالحة نمودج للديمقراطيات في الوطن العربي





 
القائمة الرئيسية
 

» الرئيسية

 
 

»  الإفتتاحية

 
 

»  الصحافة العبرية

 
 

»  أخبار وطنية

 
 

»  أخبار دولية

 
 

»  كاريكاتير و صورة

 
 

»  صوت وصورة

 
 

»  جلسات برلمانية

 
 

»  آراء ومواقف

 
 

»  خاص بالنساء

 
 

»  الرياضة

 
 

»  لاعلان معنا

 
 
جريدة الحياة النيابية
 

»  المشهد البرلماني

 
 

»  جلسات برلمانية

 
 
خدمات الجريدة
 

»   مواقع صديقة

 
 

»   سجل الزوار

 
 
النشرة البريدية

 
موقع صديق
 
إعلان
 
إعلانات تهمك
 
أخبار وطنية

رفع التعليق المؤقت على تصدير حوامض منطقة بركان نحو الولايات المتحدة الأمريكية


تصحيح : من هو المستشار عبد السلام بلقشور (البام)الذي عين مقررا للجنة 13؟

 
جلسات برلمانية

المرحلية لتنفيذ مشروع التوأمة المؤسساتية بين البرلمانات


تشكيلة مجلس النواب حسب رؤساء الفرق واللجن الدائمة


لأول مرة ينظم مجلس المستشارين "الملتقى البرلماني للجهات"

 
الرياضة
 
آراء ومواقف

ترامب ...لماذا اختار نهاية سنة 2017 لاشعال النار في الأمة العربية والاسلامية؟

 
لاعلان معنا

لاعلاناتكم بموقع